كل ما يتعلق بالفن الراقي والادب الجميل
 
الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 التصوّف والمحبة في شعر رابندرانات طاغور

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
nora90
مشرفة
مشرفة
avatar

رقم العضوية : 6
الوطن : تونس
انثى
عدد المساهمات : 14
تاريخ التسجيل : 05/05/2015

مُساهمةموضوع: التصوّف والمحبة في شعر رابندرانات طاغور   الأربعاء مايو 06, 2015 5:48 pm


التصوّف والمحبة في شعر رابندرانات طاغور

يعتبر الشاعر والفيلسوف الهندي رابندرانات طاغور (1861 - 1941) من أعلام الأدب العالمي، فقد كان شاعرًا وروائيًا وكاتب قصة ومقالة، كما كان شديد الوطنية في صباه حيث برزت وتجلّت أصداء التحرّر في قصائده العديدة وأشعاره وأناشيده. ولم تقف وطنيته عند حدود الهند، بل تعدّت  كتاباته حدود بلده لتعكس صدى العاملين على تحرير بلدانهم في جميع أنحاء العالم. ولقد جمعت  شخصية طاغور الغنية أفضل ما في التقاليد الثقافية الهندية والشرقية، والنظرة العلمية الغربية الحديثة. وقد خلق للهند عالمًا واسعًا، وجعل من العالم كله بلدًا واحدًا يقطنه جنس واحد هو الجنس البشري. وهو  الذي تحدث باستمرار عن وحدة الروح الانسانية في كل زمانٍ ومكان حيث كان يرى أن هذه الثقافات العنصرية هي اختلافات سطحية خلقتها التربة والمناخ.

لقد جال طاغور في آسيا، واوروبا وأمريكا والشرق الأقصى، حاملاً رسالة السلام العالمي، مبشرًا بالارادة الطيبة والتفاهم بين الشعوب، فلاقى استقبالاً لائقًا بمكانته الأدبية في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى. وقد فاز عام 1913 بجائزة نوبل للآداب، ومنحته الحكومة البريطانية عام 1915 لقب (سير) وهو اللقب الذي أعاده الى الحكومة البريطانية عقب الأعمال القمعية التي قامت بها في سنة 1919 في أقليم البنجاب في الهند. وتدلّ قصائده الانسانية المشبعة بروح التدين والوطنية على أنه كان انسانًا رقيقًا، طيّب القلب، وكبيرًا في كل شيء، وفي مختلف الموازين. وقد أنشأ في الهند "موئل السلام"، حيث أسّس مدرسة الغابة الصغيرة، اختبر فيها تجربته في الالفة الدولية. وقد دعا مدرسته هذه فسفا - بهاراتي (الجامعة الدولية) لتكون موطن ثقافات الشرق والغرب معا، وكانت تجري الدراسة فيها تحت ظلال الأشجار المزهرة، وفي أجواء الجمال والمحبة والبساطة، وهذا نابع من كون طاغور شاعرًا يتعامل مع الطبيعة برقة وحنان، ويخاطبه منها كل مظهر جمالي، ويستقي العبرة من سننها وقوانينها. لقد كرّس طاغور حياته للسلام، فشجب التعصّب القومي والعنف، وفتّش باحثًا كي يزرع ويُسكن في الناس معانيَ روحية للوحدة الانسانية، ونلمس ذلك كله في أشعاره التي تتناول  مواضيع الغزل الروحي الذي يتطلب العاطفة والحسّ، وذلك في إطارٍ صوفي مفعم بالمحبة الخرافية ومفطور عليها. فالحياة الروحية لديه لا تنفصل عن الحياة العملية بل هما يتداخلان ويندمجان في وحدة كاملة واتساق شامل، واقبال على الحياة في أفراحها واحزانها للاندماج في ميدان هذا العالم الواسع. وديوان "جنتجالي" الذي جلب له الشهرة العالمية حافل بروح الزهد والتصوّف، لكنّ التصوف لديه ليس ابتعادًا عن الناس والحياة الاجتماعية، بل اندماجًا في الحياة ومشاغلها وهمومها، ورفضًا للتعلّل بالانعتاق من الروابط المادية واليومية ودعوة الى الاقتداء بالخالق الذي اختار أن يرتبط بمخلوقاته،  وفي هذا المعنى، يقول طاغور في القصيدة الجميلة التالية التي تدل على اتجاهه الصوفيّ المميّز:

يا حياة حياتي
إني لأسعى على الدوام
لأنْ أحفظ لجسمي طهارته
لمعرفتي بأنّ ملاطفتك الحيّة
تلمسُ كلّ أعضائي
واحاولُ دومًا أنْ أبعد كل زيفٍ
عن أفكاري
لمعرفتي بأنكَ الحقُّ الذي أوقدَ
في عقلي نور التفكير
واحاول دومًا أن أطردَ كل شرٍ
عن قلبي
واجعله يزدهر بالحب
لمعرفتي بأنك تقيمُ
بأعمق أغوار القلب.
واحاول دومًا في كلّ أعمالي
أنْ أكتشفكَ
لمعرفتي بانّ قوتكَ
هي التي تمنحني القدرةَ على التصرّف.


ونرى في هذه القصيدة (القصيدة المذكورة وكافة القصائد الواردة لاحقًا في هذه الدراسة من ترجمة خليفة محمد التليسي من كتابه الصادر عن الدار العربية للكتاب، ليبيا - تونس) شعرًا عميقًا يفيض بالنضارة والاشراق، وينشر السرور في النفس ليبين لنا أن ذوي القلوب الواعية يتحررون من قيود الجسد ويرتفعون تدريجيًا الى ذروة السعادة. ويلمّح طاغور عبر هذه القصيدة أن من يعمل واجبه الدنيوي خالصًا من الشهوات، يكون قد أحسن بلوغ هدفه السماوي، وان الحكيم هو من خلص من وخزات الشهوة في كل أعماله وتطهّر في العمل واحترقت أدرانه بلهب الحقيقة. وفي هذا الصدد يقول:

كثيرةٌ هي رغباتي
وإنّ بُكائي من أجلها لمثيرٌ للإشفاق
ولكنك كنتَ تنقذني على الدوام
برفضكَ القاسي لها.
ويومًا بعدَ يوم
جعلتني جديرًا بعطاياكَ
العظيمةِ البسيطةِ
التي كنتَ تمنحها لي
بلا طلبٍ مني
هذه السماء، وهذا النورُ
هذا الجسدُ، وهذا الفكرُ
وهذه الحياةُ
فأنقذتني من اخطارِ
رغباتي الكثيرة.
أحيانًا أستيقظ وأهرعُ
في عناء
لبلوغِ الهدفِ
ولكنكَ تحجبُ عني نفسك بقوةٍ
ويومًا بعد يوم
تجعلني جديرًا بالقبولِ لديك
برفضكَ الدائم الثابت
فتنقذني من أخطارِ
الرغبة الضعيفة المشبوهة.


ويتشبت طاغور بالخالق ليضمه بقلبه ومحبته وعقله، ويكدّ مستهدفًا حب الخالق، متخذًا منه ملاذًا لقلبه الواهن، متخليًا عن مكاسب العمل كي يتحرر من الخيبة حيث يقول:

لا أنتظر سوى حبيبي
لكي ألقي نفسي
بين يديه
لقد تأخر الوقتُ
وإني لملوثٌ
بكثيرٍ من الخطايا والتقصير
إنهم يأتون
بشرائعهم وقوانينهم
لكي يقيدوني
ولكني أفِلتُ منهم دومًا
لأني لا أنتظرُ سوى حبيبي
لكي ألقي نفسي
بين يديهِ
إنهم يحرمونني
ويسمونني طائشًا متهورًا
ولا ريبَ عندي في ان التهمة صحيحةٌ
لقد انقضى يوم السوقِ
وانتهت الأعمالُ
والذين جاؤوا لدعوتي عبثًا
قد عادوا خائبين
لأني لا أنتظر سوى حبيبي
لكي ألقي نفسي بين يديهِ
.

ويتضح من هذه القصيدة أن طاغور، ربما، يكون قد تأثر بتراث المسيح في تربية وجدانه، وأنه يستلهم الانجيل في قول السيد المسيح: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" (متى 11 : 28). وما من أحد يستطيع أن ينكر أن تعاليم المسيح هي أحد ثلاثة عناصر تأثرت بها الروحية الهندية والثقافة الهندية التقليدية والمعاصرة بصفة خاصة، وهي الهندوسية والاسلام والثقافة الغربية المسيحية الوافدة مع الاستعمار البريطاني. وقد تفاعلت هذه العناصر في التكوين الفكري والوجداني لطاغور وظهرت بوضوح في ابداعه الأدبي الرفيع.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
التصوّف والمحبة في شعر رابندرانات طاغور
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات الفن الجميل :: ۩ منتدى الموسيقى ;تصوير فوتوغرافي ۩-
انتقل الى: